
***
(...) الشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليها النفوس كثيرًا، لكنه أعظم الظلم، فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك، فحماه النبي عليه الصلاة والسلام حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه، هذا هو معنى الباب الذي ذكره المؤلف. وأيضا بيناه قبل.***
(...) وهو أن السيادة المضافة أجازها الشرع، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» ، وقال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» قاله للأوس، وقال في الرقيق المملوك: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» . وتقدم لنا هذا، ولَّا لا؟ فكيف الجمع؟اختلف العلماء في الجمع، فقال بعضهم: إن النهي على سبيل الكراهة والأدب، والإباحة على سبيل الجواز، وإنه ليس النهي للتحريم حتى يعارض الجواز.وقال آخرون: بل النهي حيث يُخشَى منه المفسدة، وهو التدرج إلى الغلو، والإباحة: حيث لا يكون في ذلك محظور.وقال بعضهم: إن النهي في الخطاب أن تخاطب الغير بقولك: سيدي أو سيدنا أو ما أشبه ذلك، بخلاف الغائب؛ لأنه إذا خوطب الشخص بهذا الاسم فربما يكون في نفسه عُجب وعلو وترفع. ثم إن فيه شيئًا آخرَ وهو خضوع هذا المتسيِّد له، وإذلال نفسه له، بخلاف ما إذا جاء على سبيل الغيبة، مثل «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» أو مثل «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» ، إلا أن هذا الجمع يَرِد عليه إباحة النبي صلى الله عليه وسلم للرقيق أن يقول لمالكه: سيدي، فإن هذا إضافة. ولكنهم قد يجيبون عن ذلك بأن تذلل الرقيق لسيده أمر مطلوب، ولهذا يحرم عليه أن يأبق عن سيده وأن يمتنع مما يجب عليه مراعاة سيده فيه.فهم الآن كم من قول؟ ثلاثة:الأول: أن النهي على سبيل الكراهة.والثاني: على سبيل الجواز؛ بيان أن النهي ليس للتحريم.الوجه الثاني: أن النهي حين يُخشى منه مفسدة؛ بغلو المتسيد لهذا السيد أو نحو ذلك.والثالث: أن الإباحة حيث لا يكون المسيَّد أو المسوَّد مواجهًا بالتسييد أو بالتسويد؟ -من ساد يسود- لأنه إذا خُوطب بذلك أدى إلى إعجابه وترفعه وتكبره من وجه، وإلى إذلال المتسوِّد له من وجه آخر، حيث يخاطبه بوجه يقول: أنت أرفع مني، ففيه نوع إذلال.(...) أم على سبيل الغيبة، مثل سيد بني فلان، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي فُلَانٍ». قالوا: سيدنا الجَدُّ بنُ قَيْسٍ، إلا أنا نُبَخِّلُهُ. قال: «وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَأُ مِنَ الْبُخْلِ» . فقال: «مَنْ سَيِّدُكُمْ». كقوله في الأوس: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» . وكذلك قوله: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» .وأُورد على هذا الجمع أيش؟ ما الذي أورد (...)؟طالب: أن يقول: يا سيدي.الشيخ: فيواجهه:الطالب: يقول: سيدي.الشيخ: فأباح له أن يواجهه بذلك.طيب وأجيب:طالب: أنه (...) الخضوع للسيد.الشيخ: لسيده.الطالب: (...).الشيخ: طيب، وأن هذا لا بأس به بين السيد ورقيقه.والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا جائز لكن بشرط أن يكون هذا الموجَّه إليه السيادة أهلًا لذلك. أما إذا لم يكن أهلًا فإنه لا يقال له هذا، مثل لو كان فاسقًا أو زنديقًا أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يمكن للمسلم أن يقول له: يا سيدي، مهما كان، حتى لو فُرض أنه أعلى منه رتبةً، أو جاهًا، أو شرفًا، أو ما أشبه ذلك، فلا يقول له هذا.وقد جاء في الحديث: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ أَغْضَبْتُمُ اللهَ» لأنه ليس بسيد في الواقع. فإذا كان أهلًا لذلك وقاله الإنسان وليس هناك محظور فلا بأس به، لا بأس أن يقول: سيدي، أو أن يقول: يا سيدنا، وأما إذا خُشي المحظور فإنه لا يجوز.فإن قلت في قولهم: أنت سيدنا، والرسول قال: «السَّيِّدُ اللهُ» : ما هو المحظور الذي يُخشَى منه؟يُخشى أن هؤلاء يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام غلوًّا كاملًا؛ لأنهم كما يبدو حديثو عهد بإسلام؛ لأنهم جاؤوا وفدًا.***
ثم قال: (وعن أنس رضي الله عنه؛ أن ناسًا قالوا: يا رسولَ اللهِ، يا خيرَنا وابنَ خَيرِنا، وسيدَنا وابنَ سيِّدِنا): (يا رسولَ اللهِ) هذا نداء طيب؛ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]. المعنى: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. ومعنى آخر في الآية: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِيعني إذا دعاكم الرسول لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم وإن شئتم لم تجيبوا، فهو كقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] المهم أن قولهم: (يا رسولَ اللهِ) دعاء سليم.(يا خيرَنا) صح، هو خيرهم (وابنَ خَيرِنا) هذا غير صحيح؛ لأن أبا الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بمسلم، ولكن إن أرادوا بالخيرية خيرية القَبَلِيَّة فهذا صحيح؛ لأن أبا الرسول صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، وهم من أشراف قريش وأسيادهم، وكذلك نقول في (سيدَنا وابنَ سيِّدِنا).(فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ») قولوا بقولكم الذي خاطبتموني به أولًا، وهو: يا رسول الله. الدليل قوله: «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ».وقوله: «وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» أي: لا يستميلنكم الشيطان فتهووه وتتبعوا طرقه، ونظير ذلك قوله تعالى: كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ٧١].قال: «أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» صلى الله عليه وسلم، وهذان الوصفان أبلغ وأكرم وأحسن وصف يتصف به الرسول عليه الصلاة والسلام، ولذلك ذكر الله تعالى وصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعظم المقامات:فذكره في مقام الإنزال، إنزال القرآن عليه، كقوله: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].وذكر ذلك في مقام الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء: ١].وذكره في مقام المعراج: ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ٨ - ١٠].وذكره في مقام الدفاع عنه فقال: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣].ووصف الله أنبياءه بذلك -بالعبودية- في مقام الثناء عليهم: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣].ولا شك أن العبودية لله من أجلِّ أوصاف الإنسان؛ لأن الإنسان إما أن يعبد الله أو يعبد الشيطان، قال الله عز وجل في سورة يس: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [يس: ٦٠] ويش يقابله؟ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [يس: ٦١].فالإنسان لا بد أن يتعبد لشيء؛ إما لله وإما للشيطان، كما أنه لا بد أن يقاتل؛ إما في سبيل الله، وإما في سبيل الطاغوت والشيطان.قال ابن القيم في النونية رحمه الله:| هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ | فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ |
| لا تَدْعُنِي إِلَّا بيا عَبْدَهَا | فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي |
***
ثم قال: (فيه مسائل:الأولى: تحذير الناس من الغلو).من أين تؤخذ؟ «وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمُ» «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ». وجه التحذير المؤلف ما قال: نهي الناس، وجه التحذير أن الرسول صلى الله عليه وسلم أضاف هذا إلى الشيطان. والإنسان يجب عليه أن يحذر من كل ما كان من طرق الشياطين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور: ٢١]، ولهذا نُهينا أن نأكل باليسار أو نشرب باليسار، ليش؟ لأن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ، ولكن أنا آكل طعامًا وبشرب إذا أخذت الإناء باليد اليمنى تلوث بالطعام، ثم أتعب الناس اللي يغسلونه بعدُ، ويش الحيلة؟طالب: يُعَنِّي الناس (...) ولا (...) السنَّة.الشيخ: تمام. يقول: نوسخ الإناء ولا نوسخ السنة. صحيح؟على أنه يمكن ألا توسخ الإناء، ما يمكن؟ تضع مثلا على راحتك، والغالب أن الإنسان إن راحته ما تتلوث بالطعام. أو نقول أيضا: نزِّل مسكة الإناء، يأخذها إذا كان كأسا من أسفل، ضُمَّ عليه بإبهامك وسبابتك، يمكن التلويث قليلًا.والمهم أن نشعر بأنه حرام، ما هو مكروه، نحن إذا شعرنا أنه حرام عرفنا كيف نتخلص، ولَّا لا؟ لأن الحرام ما يجوز إلا عند الضرورة.المسألة (الثانية: ما ينبغي أن يقول: من قيل له: أنت سيدنا). ويش يقول؟ أقول: سيدي الله؛ كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يكون في نفسي شيء ينفخني فأعلو وأستكبر، وحتى لا يذل هذا الرجل أمامي.(الثالثة: قوله: «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» مع أنهم لم يقولوا إلا الحق) ظاهر كلام المؤلف أن قولهم هذا من استجراء الشيطان؛ لأن الرسول قال: «السَّيِّدُ اللهُ، قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ» فهذه الكلمة يحتمل أن المعنى أن ما قلتم من استجراء الشيطان، ويحتمل أن المعنى: قولوا بهذا القول، ولكن إياكم أن تغلوا فيحملكم على الغلو فإن هذا من استجراء الشيطان.وظاهر كلام المؤلف على المعنى الأول.يقول: (الرابعة: قوله: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي») ويش هالمسألة هذي؟ ويش غرضه منها؟ أخذ منها تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام، وسده كل طريق يوصِل إلى الغلو فيه.***
***
(...) توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.توحيد الربوبية هو إفراد الله تعالى بالخلق والمُلك والتدبير. وتوحيد الألوهية هو إفراد الله تعالى بالعبادة. وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله تعالى بما يستحقه من ذلك، بحيث نُثبِت له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، ونَنفي ما نفاه عن نفسه؛ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأيضًا هذا مر علينا كثيرًا.قوله: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر: ٦٧]، معنى (قدروا)؟طالب: أي: عظموا.الشيخ: أي: عظموا. والواو تعود على من؟الطالب: الواو قيل: إنها حالية.الشيخ: الواو في (قدروا)؟الطالب: تعود على المشركين.الشيخ: على المشركين، طيب.(...) (وَالشَّجَر عَلَى إِصْبَعٍ) ثلاثة (وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبِعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبِعٍ) كم؟ خمسة، (وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبِعٍ) هذه ستة. والمعروف أن الماء والثرى على إصبع.طالب: ما عندنا الماء.الشيخ: ما عندكم الماء؟ عندنا، لكن المعروف (الْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبِعٍ) فهي خمسة. يحتاج يُراجَع هذا؛ لأنه المؤلف ما عزاها، المؤلف رحمه الله ما عزاه لا إلى البخاري، وإلا في قوله: (وفي رواية لمسلم) يدل على أنه متفق عليه.(إصبع) تقدم لنا مرارًا وتكرارًا أنها واسعة، لا يكاد أحد يلحن فيها من حيث الصرف؛ لأنها مثلثة الأول والثالث، والثاني معروف أنه ساكن، والأخير معروف أنه على حسَب العوامل، فهي أربعة أحرف، أولها وثالثها تجوز فيه الحركات الثلاثة، وثانيها ساكن، ورابعها على حسب العوامل.(فَيَقُول: أنا الْمَلِكُ) في ذلك اليوم لا ملك لأحد لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] ما فيه ملك، الملك لله، وكل الناس الملوك منهم والمملوكون كلهم على حد سواء، يُحشَرون حفاةً عراةً غُرْلًا، ولا خدم ولا حشم ولا جنود، الناس على حد سواء، حتى الرجال والنساء كلهم عراة، فلا مُلك إلا لله، وبهذا يظهر ملكوت الله عز وجل في ذلك اليوم ظهورًا بيِّنًا؛ لأنه سبحانه وتعالى ينادي: لمن الملك اليوم؟ ما يجيبه أحد، فيجيب نفسه: لله الواحد القهار.قوله: (الْمَلِكُ) معناه: الملك ذو السلطان، وليس مجرد المتصرِّف، بل هو المتصرف فيما يملك على وجه السلطة والعلو.وأما المالك فهي دون ذلك، ولهذا يَتمدَّح الله نفسه بأنه الملك، ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] فيها قراءاتان: {مَلِكِ} ومَالِكِليتبين بذلك أنه ملِك مالك، ولهذا جُعلت في فاتحة الكتاب؛ لأجل أن يُقاس عليها كل ما ورد في القرآن من كلمة (ملِك)، أنه ملك مالك؛ لأن من ملوك الدنيا من يكون ملِكًا وليس بمالك، مغلوب على أمره، ومنهم من هو مالك وليس بملِك، فالذي يملك الشاة والبعير مالك، لكن ليس بملِك.(فَضَحِكَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ) ضحك: الضحك معروف، وحتى بدت: أي ظهرت، ونواجذه: جمع ناجذ، وهو أقصى الأضراس. وهذا الضحك من النبي عليه الصلاة والسلام إنكارًا أو تقريرًا؟تقريرًا، ولهذا قال عبد الله بن مسعود: (تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ) ولو كان منكِرًا ما ضحك الرسول عليه الصلاة والسلام ولا استشهد بالآية. لو كان منكرًا لقال: كذبت؛ كما كذب الذين ادعوا أن الذي يزني لا يُرجَم، ولكنه ضحِك تصديقًا لقول الحبر، وسرورًا بأن ما ذكره هذا الحبر موافق لما جاء به القرآن الذي أُوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم.(ثُمَّ قَرَأَ) من الذي قرأ؟ طالب: الرسول.الشيخ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَقرأ الرسول صلى الله عليه وسلم وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر: ٦٧] إلى آخره . هذا هو معنى الآية الذي لا تحتمل غيره؛ لأن الذي فسرها من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم. وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله هو في الدرجة الثانية من حيث الترتيب، لكنه مثل الدرجة الأولى من حيث القبول.انتبه، لأن القرآن يُفسَّر بماذا؟ بالقرآن أولًا، ثم بالسنَّة، ثم بأقوال الصحابة، فهو في المرتبة الثانية من حيثُ الترتيب، لكنه من حيث القبول هو والقرآن سواء؛ تفسير الرسول كتفسير الله عز وجل.ففي هذا دليل على أن هذا هو معنى الآية الكريمة، ولا تحتمل غيره. وكل مَن فسرها من أهل التحريف بغير ذلك فإنه خطأ، مثل قول بعضهم: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُأي: في قبضته وملكه وتصرفه، وهذا خطأ؛ لأن الملك والتصرف كائن في يوم القيامة وقبل يوم القيامة.وأيضًا بعضهم يقول: السَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِأي: تالفة وهالكة؛ كما تقول: انطوى ذِكر فلان وزال ذِكره. وبِيَمِينِهِأي: بِقَسَمِه؛ لأنه قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، فجعلوا المراد باليمين: القسم، الحلف، إلى غير ذلك من الترهات التي يلجأ إليها أهل التحريف لظنهم الظن الفاسد في الله عز وجل، حيث زعموا أن إثبات مثل هذه الصفات يَستلزم التمثيل، فصاروا والعياذ بالله ينكِرون ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله، وسلف الأمة بشبهات يدَّعونها حُجَجًا وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦] حجج داحضة فاسدة.فيقال لهم: هل أنتم أعلم بالله من الله؟ إن قالوا: نعم كفروا، إن قالوا: لا، نقول: هل أنتم أفصح عن التعبير عن الأمور وحقائقها أفصح من الله؟ إن قالوا: نعم كفروا، وإن قالوا: لا خُصموا، قلنا: لماذا؟ الله عز وجل بين ذلك أبين تبيان بأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والرسول عليه الصلاة والسلام أقر الحبر على ما ذكر فيما يطابق الآية، فهل أنتم أفصح من الله؟طيب هل أنتم أنصح من الرسول عليه الصلاة والسلام لعباد الله؟ أبدًا، ولا أنصح من الله أيضًا؛ لأن الله عز وجل يقول: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، فإذا كان الله عز وجل يريد أن يبين وقوله هو أفصح الكلام، وأصدق الكلام، وهو أعلم المتكلمين بما يقول، لزم ووجب علينا أن نقول مثلما قال عن نفسه.وإذا قلنا بذلك هل نحن مذنبون؟ أبدًا؛ لأنه إذا سئلنا يوم القيامة فالسؤال الموجَّه: ماذا اعتقدتم بما أخبر الله عن نفسه؟ إن كنا اعتقدنا ما دل عليه كلامه، سلِمنا، وإن كنا ذهبنا يمينًا ويسارًا وقعنا في الهلاك والعطب.ففي الآية إذن عدة مسائل، وكذلك في الحديث:أولًا: إثبات الأصابع لله عز وجل. الدليل: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحبر على ما قال. وما هو الإصبع؟ الإصبع إصبع حقيقي يليق بالله عز وجل، كما أن اليد يد حقيقية تليق بالله سبحانه وتعالى. وليس المراد على إصبع المراد معناه سهولة التصرف في السماوات والأرض، كما يقول القائل: ويش هذي، المسألة بسيطة (...) بإصبعي ولا تهمني؛ لأن بعضهم يقول هكذا: (على إصبع) كناية عن سهولة التصرف فيها وتمام القدرة. نقول: هذا خطأ؛ لأن الرسول أثبت ذلك بإقراره، وثبت عنه أيضا أنه قال: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ» . ويش قالوا هم؟ لما قال: بين أصبعين قال: تعال، هل تحس أن الله يلمس قلبك؟ ويش الجواب؟ لا، إذن ويش لون، ما يمكن الحديث يكون يدل على معنى غير موجود.نقول لهم: يجب علينا أن نقبل ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يلزم من البينية المماسة، بدليل قوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤] السحاب بيمس الأرض؟ بيمس السماء؟ لا، وهو بينهما.وتقول مثلًا: عُنيزة بين الظُّلْفِ والرَّسِّ، يَلْزَم أن تكون مماسة لهما، متصلة بهما؟ ما يلزم.وتقول: شعبان بين ذي القعدة وجمادى، ولا يلزم أن يكون مواليًا له، ما يلزم.وحينئذ يتبين أن البينية لا يلزم منها الاتصال، سواء في الزمان أو في المكان. وهكذا نقول فيما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ» ولا يلزم من ذلك المماسة، ولا أن تكون أصابع الله عز وجل في الأرض، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا كان يصلي فإن الله تعالى قِبَل وجهه ، وهل يلزم من المقابلة أن يكون بينك وبينه جدار القبلة ولَّا ما يلزم؟ ما يلزم، هو قِبل وجهك وإن كان على عرشه.وأضرب مثلًا لذلك بالشمس، الشمس عندما تكون في الأفق ممكن تكون أمامك وقبل وجهك ولَّا لا؟ وهي في أوج العلا.فتبين بهذا أن هؤلاء الجماعة المحرِّفين الذين يريدون أن يقيسوا الله عز وجل بما يكون للبشر أو للمخلوق، ثم بعد ذلك ينكرون ما أثبت الله لنفسه بناء على هذا الظن الفاسد، أنهم على ضلال، وأن من قال: إن طريقتهم أعلم وأحكم فقد زَلَّ؛ لأن فيه عبارة مشهورة؛ يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم.هذا القول على ما فيه من التناقض لو أن الإنسان فكر فيه لوجد أنه قد يصل إلى الكفر؛ أولًا فيه التناقض - (...) لو رحنا بكم شوي لأن المقام مهم- التناقض اللي فيه يقول: طريقة السلف أسلم، وهل يُعقَل أن تكون الطريقة أسلم وغيرها أعلم وأحكم؟ لا؛ لأن الأسلم يستلزم أن يكون أعلم وأحكم؛ إذ إننا نعرف أنه لا سلامة إلا بعلم وحكمة؛ العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك هذه الأسباب. إذا لم يكن علم ولا حكمة فلا سلامة. إذا كان هناك أعلمية وأحكمية لزم أن يكون هناك أسلمية أيضًا.ثم نقول: بماذا تكون طريقة الخلف أعلم وأحكم؟ بالتحريف والتعطيل؟! أين العلم والحكمة؟! الحكمة أن نقف حيثما بُلِّغنا، هذه الحكمة، والعلم أن نصل إلى علم صفات ربنا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.ثم هذا يَلزَم منه أن يكون هؤلاء الخالفون أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، صح ولَّا لا؟ لأن طريقة السلف هي طريق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهل هؤلاء أعلم بالله من الرسول وأصحابه؟ على رأي هذا أعلم، وهل هم أحكم من الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ أبدًا.ولهذا هذه الكلمة لو أن الإنسان فكر فيها لوجد أنها قد تصل إلى الكفر؛ لأنه يسلتزم تجهيل الرسول عليه الصلاة والسلام وتسفيهه، تجهيله ضد العلم، وتسفيهه ضد الحكمة. وهذا خطر عظيم جدًّا، وهذه العبارة يجب أن نعرف أنها عبارة وإن قالها من قالها من أهل العلم فإنها عبارة ليست بصحيحة، بل هي باطلة، حتى لو أراد بها معنًى صحيحًا وأن هؤلاء بحثوا وتعمقوا وخاضوا في أشياء كان السلف لم يتكلموا فيها.نقول: خوضهم في هذه الأشياء هو الذي ضرهم، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام حين قال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» ، لو أنهم بقوا على ما كان عليه السلف الصالح ما وصلوا إلى هذا الشك والحيرة والتحريف، حتى إن بعض الأئمة منهم -بعض أئمة أهل الكلام- كان يتمنى أن يموت على عقيدة أمه العجوز اللي ما تعرف هذه البحوث، ويقول بعضهم: هأنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور. عقيدة العجائز ردوا لها. يعني لشدة ما رأوا من الشك والقلق والحيرة والتعب، أنتم لا تظنون أن العقيدة الفاسدة أنها يمكن أن يعيش الإنسان عليها أبدًا، ما يمكن يعيش الإنسان إلا على عقيدة سليمة، وإلا ابتُلي بالشك والقلق والحيرة، حتى قال بعض العلماء، وأظنه الشافعي: أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام.وما بالكم بالشك والعياذ بالله عند الموت، يُختَم للإنسان بما يضاد الإيمان.لكن لو تأخذ العقيدة من كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام بسهولة، وبما جرى عليه السلف، وتقول كما قال الرازي وهو من عظمائهم ورؤسائهم؛ يقول: رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أَقْرَأُ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] فأُثْبِتُ، وأقرأ في النفي: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، ومَن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. لأنه هو أقر قبل الكلام اللي نقلت، قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن.. إلى آخره.فالحاصل أن هؤلاء المنكرين بما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل؛ اعتمادًا على هذا الظن الفاسد؛ أنها تقتضي التمثيل؛ هؤلاء قد ضلوا ضلالًا مبينًا.الصحابة رضي الله عنهم هل ناقشوا الرسول في هذا ولَّا لا؟ لا شك الذي نكاد نشهد به، إن لم نشهد به، أنه حينما يمر عليهم مثل هذا الحديث يقبلونه على حقيقته، لكن يعلمون أن الله لا مثيل له، فيجمعون بين الإثبات وبين النفي.إذن ما هو موقفنا من مثل هذا الحديث الذي فيه إثبات الأصابع لله عز وجل؟أن نقره، وأن نقبله، وألا نقتصر على مجرد إمراره بدون معنًى، فنكون بمنزلة الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، نقرؤه ونقول: نعم هذا معناه إصبع حقيقي يجعل الله عليه هذه الأمور، ولكن هل نتخيل بأفهامنا أو نقول بألسنتنا: إنه مثل أصابعنا؟ أبدًا، لا يجوز، والله أعلم بكيفية هذه الأصابع، كما أننا لا نعلم ذاته المقدسة؛ كذلك لا نعلم هذه الصفات من صفاته، لا نعلم كيفيتها، بل نكِل علمها إلى الله.(وفي رواية لمسلم: وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ) يهزهن هزًّا حقيقيًّا أو معنويًّا؟حقيقيًّا، يهزهن جل وعلا ليبين للعباد في ذلك الموقف العظيم عظمته وقدرته سبحانه وتعالى، وأنه لا يعجزه شيء، وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ هذه الآية، في حديث ابن عمر، أنه كان الرسول يقرأ هذه الآية ويقبض يده ويبسطها، يقول: ويهزهن فصار المنبر يتحرك، يهتز، حتى قلت: ليخرن برسول الله صلى الله عليه وسلم، من شدة هز المنبر، ليش؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتكلم بهذا الكلام وقلبه مملوء بتعظيم الله سبحانه وتعالى. والمنبر يسمع ولَّا ما يسمع؟ يسمع، فصار هذا المنبر يهز، حتى قال: ليخرن برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قلت: أساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم .لا تقول: هذا جماد ما يشعر. يشعر، الجذع اللي كان الرسول يخطب عليه لما صُنع المنبر وقام الرسول عليه الصلاة والسلام يخطب على المنبر ويش فعل الجذع؟ كان يحن كما تحن العِشَار إلى أولادها فاقدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم وسكَّته مثلما تسكت الأم صبيها، حتى سكت .لا تظن هذا الجماد ما يعرف الله عز وجل، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، كل شيء يسبح بحمد الله، حتى الطيور في الجو، وحتى النمل في جحورها، كلها تسبح الله، بل حتى الجمادات تسبح الله؛ سُمع تسبيح الطعام والحصى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم .طالب: (...).الشيخ: والله يا أخي ما أعتقد أني أكون مهما كنت أن الرسول فعل محظورًا في هذا.يعني مثلًا قل: هل يسوغ لنا أن نهزها كما فعل الرسول؟الطالب: (...).الشيخ: أنت قل: هل يسوغ لنا، لا تقول: إن فعل الرسول فيه محظور.كلمة (فعل الرسول فيه محظور) هذه يجب امحها من الشريط. وبعدين نقول: لو أننا فعلنا مثلما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هل يكون فيه محظور؟ نعم ما تقولون في جواب هذا؟طالب: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أشار (...) وما لم يرد (...).الشيخ: ما يخالف، هو على كل حال اللي ما ورد معروف أننا ما لنا حق..الطالب: يصير كما أشرنا (...) يا شيخ، نقول: فيه تفصيل؛ إن كان للتحقيق (...) التمثيل فنفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لشبهة في القلب (...) يفعل فهو كما قال الإمام أحمد: وددت لو تقطع يد من كان يمثل الله عز وجل فهنا (...).الشيخ: هو الحقيقة ينبغي أن يكون فيه التفصيل:أولًا: أنه ليس كل من شاهد أو سمع يتقبل ذهنه ذلك بغير أن يشعر بالتمثيل. افرض أنك تخاطب عوام، تبغي تقوله مثلًا، تمثل كما مثل الرسول عليه الصلاة والسلام، أنا أعتقد أن العامي علطول سوف يعتقد التمثيل؛ لأنه عامي ما يدرك، فهذه ينبغي أن نكف؛ لأن هذا ليس بواجب حتى نقول: يجب علينا أن نبلغ كما بلغ الرسول بالقول وبالفعل، هو ليس بواجب.وأما إذا كنا نتكلم مع طلبة علم، أو مع إنسان مكابر ينفي هذا، ويريد أن يحول الأمر إلى مجاز، لا إلى حقيقة، فحينئذ نفعل كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، مثل لو قال قائل: إن الله سميع بصير، قال: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، معناه أن الرسول عليه الصلاة والسلام حينما قرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ٥٨] وضع أصابعه على عينه، وعلى أذنه، وأبو هريرة حينما حدث به كذلك ، فهذا الإنسان اللي يقول: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، هذا (...) هكذا.كذلك الذي ينكر حقيقة اليد، يقول: (...) الله ما يقبض السماوات بيمينه، ولكن المعنى أنها في قبضته أي في تصرفه، والرسول يقول (...) بيده ويحركها يفتحها ويضمها فهذا نقول: هو حقيقة كما قال الرسول هكذا.الموصلة إلى الجنة قريبة وسهلة (...) إذا أرادها، وكذلك الأعمال الموصلة إلى
النار (...) الحقيقة (...) بين أيدينا، ويمكن أن يقال: إنها حقيقة ولكن لا يلزم من
كونها بين أيدينا أن نراها، كما أننا لا نرى الملائكة ولا نرى الجن، وهذا عالم غيبي
الله أعلم به، لكن يظهر لي -والله أعلم- المعنى الأول، (...) عندنا قرينة واضحة
تمنع من إرادة الحقيقة، فإن الجنة عرضها السماوات والأرض، ولا يمكن أن تكون الحقيقة
بين أيدينا.
طالب: شيخ، أنت قلت: يجوز طلب الدعاء ممن
يُرجَى إجابته، فهل هذا خاص بالرسول أم عام لصالح الناس؟
الشيخ: عام لكل صالح، ولهذا طلب عمر رضي الله عنه من العباس بن
عبد المطلب أن يستسقي لهم .
طالب: على الاحتمال الذي ذكرناه المرة السابقة بالنسبة لـ أبطلت
عملك، أنه لإبطال العمل كله فيكون هذا بسبب إعجابه وإدلاله على الله، طيب ممكن يقول
قائل: إن الإعجاب هذا مقارن للعمل فيلزمه أن يبطل بمجرد العمل، وسياق الحديث أن
الإبطال حصل بهذه الكلمة.
الشيخ: يمكن هذا الرجل لما
كان الإعجاب في قلبه لم يظهر أثره، لم يكن هناك علامة على ما في قلبه من الإعجاب،
فلما ظهر أثره تبين ما في قلبه. وأيضًا الإعجاب قد يكون مقارنًا للعمل وقد يكون
بعده، حتى (...) العمل، ربما الإنسان إذا عمل العمل أُعجِب وأدلَّ على الله به ورأى
أن له حقًّا، كما قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات: ١٧].
طالب: لكن الظاهر من
سياق الحديث أن هذه الكلمة..
الشيخ: لكن هذه الكلمة
مجرد (والله لا يغفر الله لفلان) لو قالها بناء على ما يعرفه من قواعد الشريعة
مثلًا، وأن هذا يبعد أن الله يغفر له لكثرة عمله أو لشركه إن كان مشرِكًا، ما كان
هذا نتيجته، وقد يقال أيضًا مثلما ذكرنا: إن التألي على الله وسوء الظن به أبطل
عمله، سوء الظن به أبطل عمله، يعني سوء الظن بالله من كبائر الذنوب
العظيمة.
طالب: ما يقال: إن الدعاء يجب أن يقيد أن هذا
فيه مصلحة للأمة كلها، وكذلك توسل عمر بالعباس، لما يعني يكون الواحد يدعو الصالحين
لمصلحة ذاتية ففيه إظهار (...).
الشيخ: لا، هو على كل
حال إن طلب الدعاء من الغير إذا كان لمصلحة العامة ما فيه شك أن هذا جائز والإنسان
ما سأل لنفسه، مثلما لو تقول لإنسان مثلًا فقير مشروع لجمع دراهم لفقير فإن سؤالك
هذا لا يضر، أو مشروع عام لمصلحة المسلمين عمومًا، لكن الدعاء الخاص يجوز أنك تطلب
من شخص تُرجَى إجابته أن يدعو لك، لكن شيخ الإسلام يقول: ينبغي في هذه الحال أن
ينوي بذلك نفع المطلوب، لا النفع المجرد لنفسه؛ لأن المطلوب إذا دعا لك بظهر الغيب
قال الملك: آمين ولك بمثله ، أما إذا طلبته
لمصلحتك الخاصة فهذا أمر لا ينبغي، وإن كان ليس حرامًا، لكن لا ينبغي؛ لأن فيه
نوعًا من الإذلال والسؤال.
طالب: (...).
الشيخ: هذه أمر بها الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: (...) ما يقال فيه: إنه تكرار الرجل العابد على الرجل
العاصي هذا سبب في وقوع الرجل العاصي في ملذته، وقطع الرجل العابد عليه شهوته هذه
سبب في كراهته (...).
الشيخ: كيف (...)
المؤلف.
الطالب: (...) يعني كراهة الرجل العاصي لقدوم
الرجل عليه وهو في أثناء معصيته هذا يعتبر كراهة (...) الذنوب.
الشيخ: إي لكن هو يكره الذنوب ولَّا يكره توبيخ هذا الرجل
له؟
الطالب: يكره تكرار الرجل العابد عليه في أثناء
وقوعه في شهوته؛ لأن قطع الشهوة فيه نوع من الكراهة.
الشيخ: يعني كره الذنوب ولا كره..
الطالب: كره قدوم الرجل عليه وتكراره.
الشيخ: (...) ظاهر لي جدًّا، لكن (...) قلتم بالأول: إن تكرار
التوبيخ أمر لا يحبه الإنسان.
الطالب: والتكرار
كذلك.
الشيخ: وكذلك رؤية الإنسان على المعصية ما يحب أن
أحدًا يراه.
طالب: هل إبطال العمل ما يكون أن الله هيأ
الإنسان هذا للمعصية (...).
الشيخ: والله هذا محتمل
لكنه ما دام عندنا سبب ظاهر عُلِّق به الحكم، فإن الأولى أن نعتبر هذا السبب
الظاهر.
***
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحَانَ اللهِ» فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ) نحن عرفنا فيما سبق أن (ما زال) من أفعال الاستمرار، (زال) إذا دخل عليها (ما) صارت تدل على الاستمرار؛ كقوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩]، وعملها عمل (كان) ترفع المبتدأ وتنصب الخبر. وجملة (يسبح) هذه هي الخبر.***
قال المؤلف رحمه الله تعالى:| يا خيرَ مَن دُفِنَتْ بالقَاعِ أَعْظُمُهُ | فطَابَ مِن طِيبِه الآلاءُ والأَكَمُ |
| نَفْسِي الفِداءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُــــهُ | فيه العَفَافُ وفيهِ الجُودُ والكَــــــرَمُ |
***
***
(...) الشرك قد يكون من الأمور التي لا تدعو إليها النفوس كثيرًا، لكنه أعظم الظلم، فالشيطان يحرص على أن يوصل ابن آدم إلى الشرك، فحماه النبي عليه الصلاة والسلام حماية تامة محكمة حتى لا يدخل الإنسان فيه، هذا هو معنى الباب الذي ذكره المؤلف. وأيضا بيناه قبل.***
(...) وهو أن السيادة المضافة أجازها الشرع، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» ، وقال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» قاله للأوس، وقال في الرقيق المملوك: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ» . وتقدم لنا هذا، ولَّا لا؟ فكيف الجمع؟***
ثم قال: (وعن أنس رضي الله عنه؛ أن ناسًا قالوا: يا رسولَ اللهِ، يا خيرَنا وابنَ خَيرِنا، وسيدَنا وابنَ سيِّدِنا): (يا رسولَ اللهِ) هذا نداء طيب؛ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]. المعنى: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا فتقولوا: يا محمد، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله. ومعنى آخر في الآية: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِيعني إذا دعاكم الرسول لا تجعلوا دعاءه كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم وإن شئتم لم تجيبوا، فهو كقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال: ٢٤] المهم أن قولهم: (يا رسولَ اللهِ) دعاء سليم.| هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ | فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ |
| لا تَدْعُنِي إِلَّا بيا عَبْدَهَا | فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي |
***
ثم قال: (فيه مسائل:***
***
(...) توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذا يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.